أبي طالب المكي

161

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

ذكر فضائل الصلاة وآدابها وما يزكو به أهلها ووصف صلاة الخاشعين قال الله تعالى : * ( وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) * [ طه : 14 ] . وقال : * ( ولا تَكُنْ من الْغافِلِينَ ) * [ الأعراف : 205 ] . وقال تعالى : * ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) * [ النساء : 43 ] . قيل : سكارى من حبّ الدنيا وقيل : من الاهتمام بها . وقال جلّ ثناؤه : * ( الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) * [ المعارج : 23 ] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلَّى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه . وقال صلى الله عليه وسلم : إنما الصلاة تمسكن ، وتواضع ، وتضرع وتباؤس ، وتنادم ، وترفع يديك وتقول : اللَّهم . فمن لم يفعل فهي خداج أي ناقصة . روينا عن الله سبحانه وتعالى في الكتب السالفة أنه قال : ليس كل مصلّ أتقبّل صلاته إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتكبر عليّ ، وأطعم الفقير الجائع لوجهي . فمن الإقبال على الصلاة أن لا تعرف من على يمينك ولا من على شمالك من حسن القيام بين يدي القائم على كل نفس بما كسبت . وكذلك فسّروا قوله تعالى : * ( هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) * [ المؤمنون : 2 ] . وقال سعيد بن جبير : ما عرفت من على يميني ولا على شمالي في الصلاة منذ أربعين سنة ، منذ سمعت ابن عباس يقول : الخشوع في الصلاة أن لا يعرف المصلَّي من على يمينه وعن شماله . وروينا عن بشر بن الحرث قال : قال سفيان : من لم يخشع فسدت صلاته . وروينا عن معاذ بن جبل . من عرف من عن يمينه وشماله في الصلاة متعمّدا فلا صلاة له . وقد أسنده إسماعيل بن أبي زياد عن بشر بن الحرث وغيره وعن الثوري أيضا : من قرأ كلمة مكتوبة في حائط أو بساط في صلاته فصلاته باطلة . وقال بشر يعني بذلك لأنه عمل في الصلاة . ومن الدوام في الصلاة السكون فيها ، وعلى ذلك فسّر قوله تعالى : * ( الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) * [ المعارج : 23 ] . قيل : هو السكون والطمأنينة في الصلاة من قولك : ماء دائم إذا سكن . وقال بعض الصحابة : يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئاتهم في الصلاة ، من الطمأنينة والهدوء ، ومن وجود النعيم بها واللذة ، ثم إصغاء القلب للفهم وخشوعه للتواضع ، وسكون الجوارح للهيبة ، ثم الترتيل في القراءة والتدبر لمعاني الكلام ، وحسن الافتقار إلى المتكلم في الإفهام والإيقاف على المراد ، وصدق الرغبة في الطلب للاطلاع على المطلع من السّر المكنون المستودع في الكتاب . وإن مرّ بآية رحمة سأل ورغب ، أو آية عذاب فزع واستعاذ ، أو مرّ بتسبيح أو تعظيم حمد وسبّح وعظَّم . فإن قال بلسانه فحسن وإن أسره في قلبه ورفع به همّه نابه قصده عن المقال ، وكان فقره غاية السؤال ، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : * ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ به